محمد راغب الطباخ الحلبي
397
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
ونحن على أهنأ عيش وأصفى بال ، فصادف بعد نزولنا من عرفات بيوم حصول مرض الكوليرا ( الهواء الأصفر ) وصار يفتك في الحاج فتكا ذريعا بحيث كان يموت كل يوم ما يقرب من ألف إنسان بقي على ذلك نحو 15 يوما ، وكان ممن أصيب به سيدي الأخ ، وذلك في الخامس عشر من الشهر ، وفي الثامن عشر منه توفي إلى رحمة اللّه وعفوه ولم ينجع فيه دواء ، ودفن في المعلا ، وبعد يومين توفيت بنته وكان سنها نحو ثلاثة عشر عاما ، فكان مصابنا بهما جللا ورزؤنا عظيما ، وحزنا عليهما حزنا شديدا ، وأسف على سيدي الأخ كل من عرفه وعرف علمه وسمع بفضله ، وقد مضى على وفاته ثمان وثلاثون سنة وأنا لا أزال عليه حزينا وذلك لما كان عليه رحمه اللّه من العلم والفضل وكرم الأخلاق والزهد والورع والعبادة ، وكان مع ذلك كثير الصدقات . وفي أثناء وجوده في مكة لم يأل جهدا في إقراض المنقطعين من الحجاج الحلبيين دراهم ليعودوا إلى أوطانهم ، ولو طال عمره لكان أحد الأفراد علما وعملا وممن يشار إليه في هذا العصر ، ولكن قضاء اللّه لا مرد له وله الأمر من قبل ومن بعد . 1273 - القاضي أمين أفندي المقيّد المتوفى سنة 1308 الشيخ محمد أمين أفندي ابن محمد بن زكريا ابن الشيخ محمد المشهور بالمقيّد . ولد بحلب سنة خمس وأربعين ومائتين وألف ، ونشأ بها ، وقرأ العلوم على أفاضل عصره ، فأخذ الفقه عن الشيخ مصطفى الأريحاوي أمين الفتوى الفقيه المشهور وقتئذ ، والعلوم العربية وعلم الحديث عن مفتي حلب الشيخ عبد القادر سلطان ، وعلم الفرائض عن الشيخ مصطفى الشربجي والشيخ عبد المعطى البابي ثم الحلبي ، وكلاهما من المشاهير في هذا العلم . وفي مدة وجيزة ظهر فضله واستبان نبله ، وأول ما تولاه من الوظائف حفظ السجلات وقيد الصكوك في المحكمة الشرعية بحلب ، ثم معاونا لرئيس الكتاب فيها ، وذلك في سنة ست وستين ومائتين ، وفي سنة تسع وستين صار ينوب في الحكم عن قاضي حلب السيد محمد سعيد بك درناقجي زاده عند ذهابه لحضور الجلسات في المجلس الكبير المشكل وقتئذ في الولاية ، وهو كمجلس الإدارة في زماننا . وفي سنة أربع وسبعين عين لقضاء أنطاكية ، ثم عين نائبا في محكمة حلب الشرعية . وفي ست وسبعين عين درناقجي زاده المتقدم قاضيا في الشام ، فدعا المترجم إلى دمشق وجعله نائبا معه إلى أن انتهت مدته ،